ابن حزم

443

الاحكام

ههنا شئ أصلا إلا أن الله تعالى أراد أن يحرم علينا بعض ما خلق مدة ما ، ثم أراد تعالى أن يبيحه وأراد أن يبيح لنا بعض ما خلق مدة ما ، ثم أراد تعالى أن يحرمه علينا ولا علة لشئ من ذلك كما لا علة لبعثه محمدا عليه الصلاة والسلام في العصر الذي بعثه ، دون أن يبعثه في العصر الذي كان قبله ، وكما لا علة لكون الصلوات خمسا ، دون أن تكون ثلاثا أو سبعا . فصل قال أبو محمد : قال الله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسأها نأتى بخير منها أو مثلها ) * وقد قرئ أو ننسها ، ومعنى اللفظين مختلف ، فالنسخ قد بينا معناه وهو رفع الحكم ، وأما ننسها فمعناه من النسيان وهو رفع اللفظ جملة ، وأما ننسأها فهو من التأخير ، ومعناه أن يؤخر العمل بها إلى مدة معلومة ، ويفعل الله من كل ذلك ما شاء لا معقب لحكمه . فصل اختلف الناس في النسخ على ما يقع ، أعلى الامر أم على المأمور به ؟ قال أبو محمد : والصحيح من ذلك أن النسخ إنما يقع على الامر ، ولا يجوز أن يقع على المأمور به أصلا ، لان المأمور به هو فعلنا ، وفعلنا لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يكون قد وقع منا بعد ، وإما أن يكون لم يقع منا بعد ، فإن كان قد وقع منا بعد فقد فني ، لان أفعالنا أعراض فانية ، ولا يجوز أن ينهى عما قد فني ، إذ لا سبيل إلى عودته أبدا . وكذلك لا يجوز أن يؤمر أيضا بما قد فني ، لأنه لا يجوز أن يعود أيضا ولا أن يباح لنا ما قد فني أيضا ، لان كل هذا محال ، وإن كان لم يقع منا ، فكيف ينسخ شئ لم يكن بعد ، فصح أن المرفوع إنما هو الامر المتقدم ، لا الفعل الذي لم تفعله بعد ، فإذا قد صح أن الامر هو المرفوع فهو المنسوخ ، والنسخ إنما يقع في الآمر لا في الامر ولا في المأمور به . وبالله تعالى التوفيق . وبرهان ما ذكرناه قوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسأها ) * فأخبر تعالى أن الآية هي المنسوخة لا أفعالنا المأمور بها ، والمنهي عنها والآية هي الامر الوارد